حبيب الله الهاشمي الخوئي

24

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( أو أعقبتهم إلَّا الندامة ) والحسرة ( أفهذه ) الغدّارة الغرّارة ( تؤثرون أم إليها تطمئنّون أم عليها تحرصون ) مع ما رأيتم من مكائدها وجرّبتم من خياناتها ( فبئست الدار لمن لم يتّهمها ) في نفسه ( ولم يكن فيها على وجل منها ) على عرضه فكانت موجبة لهلاكه وعطبه وأمّا المتّهم لها بالخديعة والغرور والخائف منها والحذر فنعمت الدّار في حقّه لكونه منها على وجل دائم وخوف لازم ، فيأخذ حذره بعد عدّته ويقدم الزاد ليوم المعاد ويتزوّد لحال رحيله ووجه سبيله ( فاعلموا وأنتم تعلمون ) واستيقنوا ( بأنكم تاركوها وظاعنون ) أي مرتحلون ( عنها واتّعظوا فيها بالَّذين ) كانوا قبلكم و ( قالوا من أشدّ منّا قوّة ) وعدّة وانتقلوا عن دورهم و ( حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا وانزلوا الأجداث ) بعد الادعاث ( 1 ) ( فلا يدعون ضيفانا ) يعنى انهم انقطعت عنهم بعد ارتحالهم أسماء ، الأحياء فلا يسمّون بالركبان ولا بالضيفان وكانت عادة العرب انهم إذا ركبوا يسمّون ركبانا ، وإذا نزلوا يسمّون ضيفانا ، وهؤلاء الأموات مع كون الجنائز حمولة لهم وكونهم محمولين عليها كالراكبين لا يطلق عليهم اسم الركب ( 2 ) ، وكذلك هم مع نزولهم بالأجداث والقبور لا يطلق عليهم اسم الضيف وان كان تسمية الضيف إنما هي بذلك الاسم باعتبار نزوله ، وهذا الاعتبار موجود فيهم مأخوذ من ضافه ضيفا إذا نزل عنده فافهم ( وجعل لهم من الصّفيح أجنان ) أي من وجه الأرض العريض قبور ( ومن التراب أكفان ) وفي بعض النسخ بدله أكنان ، وهى السّتاير جمع الكن وهى السترة أي ما يستتر به ، وعلى ذلك فالكلام على حقيقته ، وعلى الرواية الأولى فلا بدّ من ارتكاب المجاز بأن يقال إنّ جعل التراب أكفانا لهم باعتبار إحاطته عليهم كالأكفان أو باعتبار المجاورة بينه وبينها ، أو من أجل اندراس الكفن وانقلابه ترابا كما قيل ، والأظهر الأوّلان ( ومن الرفات ) والعظام البالية ( جيران فهم جيرة ) أي جيران كما في بعض

--> ( 1 ) الدعث المرض والجمع ادعاث م ( 2 ) الركب جمع راكب كالركبان منه .